الغزالي
5
إحياء علوم الدين
وهو مشفق خاص ، فما رأوه محتاج . ولو رأوه يتيما لسلط الله داعية الرحمة على واحد من المسلمين ، أو على جماعة ، حتى يأخذونه ويكفلونه . فما رؤي إلى الآن في سنيّ الخصب يتيم قد مات جوعا ، مع أنه عاجز عن الاضطراب ، وليس له كافل خاص ، والله تعالى كافله بواسطة الشفقة التي خلقها في قلوب عباده . فلما ذا ينبغي أن يشتغل قلبه برزقه بعد البلوغ ولم يشتغل في الصبا ، وقد كان المشفق واحدا والمشفق الآن ألف ؟ نعم كانت شفقة الأم أقوى وأحظى ، ولكنها واحدة ، وشفقة آحاد الناس وإن ضعفت فيخرج من مجموعها ما يفيد الغرض . فكم من يتيم قد يسر الله تعالى له حالا هو أحسن من حال من له أب وأم فينجبر ضعف شفقة الآحاد بكثرة المشفقين ، وبترك التنعم ، والاقتصار على قدر الضرورة . ولقد أحسن الشاعر حيث يقول جرى قلم القضاء بما يكون فسيان التحرك والسكون جنون منك أن تسعى لرزق ويرزق في غشاوته الجنين فإن قلت : الناس يكفلون اليتيم لأنهم يرونه عاجزا بصباه ، وأما هذا فبالغ قادر على الكسب فلا يلتفتون إليه ، ويقولون هو مثلنا فليجتهد لنفسه فأقول . إن كان هذا القادر بطالا فقد صدقوا ، فعليه الكسب ، ولا معنى للتوكل في حقه ، فإن التوكل مقام من مقامات الدين يستعان به على التفرغ لله تعالى . فما للبطال والتوكل ! وإن كان مشتغلا باللَّه ، ملازما لمسجد أو بيت ، وهو مواظب على العلم والعبادة فالناس لا يلومونه في ترك الكسب ، ولا يكلفونه ذلك ، بل اشتغاله باللَّه تعالى يقرر حبه في قلوب الناس ، حتى يحملون إليه فوق كفايته . وإنما عليه أن لا يغلق الباب ، ولا يهرب إلى جبل من بين الناس . وما رؤي إلى الآن عالم أو عابد استغرق الأوقات باللَّه تعالى وهو في الأمصار فمات جوعا ، ولا يرى قط . بل لو أراد أن يطعم جماعة من الناس بقوله لقدر عليه . فإن من كان لله تعالى كان الله عز وجل له . ومن اشتغل باللَّه عز وجل ألقى الله حبه في قلوب الناس ، وسخر له القلوب كما سخر قلب الأم لولدها . فقد دبّر الله تعالى الملك والملكوت تدبيرا كافيا لأهل الملك والملكوت فمن شاهد هذا التدبير وثق بالمدبر ، واشتغل به ، وآمن ونظر إلى مدبر الأسباب لا إلى الأسباب . نعم ما دبره تدبيرا يصل إلى المشتغل به الحلو والطيور السمان ، والثياب الرقيقة ، والحيوان النفيسة على الدوام لا محالة . وقد يقع ذلك أيضا